الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فَاحْذَرُوهُ، وَارْهَبُوهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ لِتُفْلِحُوا فَتَنْجَحُوا فِي طَلَبَاتِكُمْ لَدَيْهِ وَتُدْرِكُوا بِهِ الْبَقَاءَ فِي جَنَّاتِهِ، وَالْخُلُودَ فِي نَعِيمِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفَلَاحِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ. وَقَالُوا: أُمِرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِبَرَاءَةَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ لَمْ يُنْسَخْ، وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذَّرَارِيِّ. قَالُوا: وَالنَّهْي عَنْ قَتْلِهِمْ ثَابِتٌ حُكْمُهُ الْيَوْمَ. قَالُوا: فَلَا شَيْءَ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ"إِنِّي وَجَدْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أَيْ لَا تُقَاتِلْ مَنْ لَا يُقَاتِلُكَ، يَعْنِي النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ، وَالرُّهْبَانَ"
وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِيَ نَسْخَ آيَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ تَحَكُّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ.
وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى مَعْنَى النَّسْخِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ قَبْلِهِ يُثْبِتُ صِحَّةَ النَّسْخِ بِمَا قَدْ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذِهِ الْمَوْضِعِ.