(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أَنْزِلُ فِيهِ الْقُرْآنُ) هَذِهِ الْآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْنَا وَأَنَّهَا أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الشَّهْرِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ هِيَ أَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وَأُفِيضَتْ عَلَى الْبَشَرِ فِيهِ هِدَايَةُ الرَّحْمَنِ ، بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ
خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، بِالرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ لِلْأَنَامِ ، الدَّائِمَةِ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ ; فَالْمُرَادُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ فِيهِ بَدْؤُهُ وَأَوَّلُهُ (هُدًى لِلنَّاسِ) أَيْ: أُنْزِلَ حَالَ كَوْنِهِ هُدًى كَامِلًا لِلنَّاسِ كَافَّةً (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى) أَيْ: وَآيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
وَاضِحَاتٍ لَا لَبْسَ فِي حَقِّيَّتِهَا ، وَلَا خَفَاءَ فِي حُكْمِهَا وَأَحْكَامِهَا ، مِنْ جِنْسِ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَكِنَّهُ أَبْيَنُهُ وَأَكْمَلُهُ (وَالْفُرْقَانِ) الَّذِي يُفَرِّقُ لِلْمُهْتَدِي بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ الْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ ، فَحُقَّ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مَا لَا يُعْبَدُ فِي غَيْرِهِ تَذَّكُّرًا لِإِنْعَامِهِ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ وَشُكْرًا عَلَيْهَا . وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ الْأَيَّامِ مُبْهَمَةً أَوَّلًا وَتَعْيِينِهَا بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ الَّذِي يُشْعِرُ بِالْقِلَّةِ يُخَفِّفُ وَقْعَ التَّكْلِيفِ بِالصِّيَامِ الشَّاقِّ عَلَى النُّفُوسِ وَهُوَ الْأَصْلُ ; إِذْ لَيْسَ رَمَضَانُ عَامًّا فِي الْأَرْضِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا .