فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ} ففيه مسائل:
المسألة الأولى: هذا المبدل من هو؟ فيه قولان أحدهما: وهو المشهور أنه هو الوصي أو الشاهد أو سائر الناس، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية إما فِي الكتابة وإما فِي قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصل ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ} .
والقول الثاني: أن المنهى عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا فِي الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب فِي الجوع والضر، فالله تعالى أمرهم بالوصية للأقربين، ثم زجر بقوله: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من أعرض عن هذا التكليف.
المسألة الثانية: الكناية فِي قوله: {فَمَن بَدَّلَهُ} عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوها أحدها: أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى: {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ} [البقرة: 275] أي وعظ، والتقدير: فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه
وثانيها: قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل الأمر المقدم ذكره
وثالثها: أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة
ورابعها: أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل
وخامسها: أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها بكناية المذكر.
أما قوله: {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط أن يكون المبدل قد علم ذلك، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به، فصار إثبات سماعه كإثبات علمه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 55}