[من روائع الأبحاث]
(فصل: آفَة حب الجاه عِنْد المخلوقين)
قال الحارث المحاسبي:
وَأما الشّبَه الأخرى الَّتِي يكرهها الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فطمعك فِي الْقدر والجاه وَالثنَاء عِنْد المخلوقين وخوفك من سُقُوط منزلتك عِنْد المخلوقين وَذَلِكَ مِمَّا يسْقط منزلتك عِنْد الله عز وَجل.
فأهل الْمعرفَة بِاللَّه وَأهل الْإِرَادَة يكْرهُونَ أَن يراهم الله سُبْحَانَهُ وَقد اعتقدوا من ذَلِك شَيْئا
حملتهم الْمعرفَة بالإجلال لله وإيثار محبته على أَلا ينظر إليهم سيدهم وَفِيهِمْ شيء مِمَّا يكرههُ فِي مبلغ علمهمْ فهم يكْرهُونَ مَا يكره الله فِي غَيرهم فَكيف يرضون بِهِ فِي أنفسهم.
أَبَت معرفَة الله أَن يساكنها شيء من مكاره الله وأبت الإرادة أن تشتغل بِغَيْر مَا أحب الله قد شغلتهم الْمعرفَة بالفكر فِي كَثْرَة نعم الله عز وَجل عَلَيْهِم وعجزهم عَن أَدَاء شكرها مَعَ عجزهم عَن إحصاء عَددهَا وباستكثار ذنوبهم وَكَثْرَة ذكرهم للحياء من الله أَن يسْأَلُوا الْجنَّة فَلَيْسَ تخطر الْجنَّة لَهُم على بَال قد حَال بَينهم وَبَين مسألتها الْحيَاء من الله وَالْخَوْف مِنْهُ ومصيبتهم فِي أنفسهم مِمَّا يخَافُونَ من فَوت رضوَان الله عَنْهُم وَسخطه عَلَيْهِم أعظم فِي أنفسهم وأوجع لقُلُوبِهِمْ من فَوت الْجنَّة وَخَوف النَّار وَمن الَّذِي يَجدونَ مِمَّا يلقِي الشَّيْطَان من الخطرات وعوارض الدُّنْيَا وَحب التزين لأَهْلهَا عِنْد عِبَادَتهم وطاعتهم وَكَثْرَة فَسَاد النِّيَّة والآفات الَّتِي تعارضها فهم بذلك مغموصون مكروبون مَخَافَة أن يراهم الله وَقد تزينوا لأحد غَيره.
فَلَا تكن يَا أخي بِشَيْء أعنى مِنْك بالمعرفة والإرادة فَإِن الْخَيْر تبع لَهما وهما عَلامَة نظر الله لعَبْدِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...