[من روائع الأبحاث]
(نعيم الْخَوْف والشوق)
(الْمعرفَة ونعيم الْخَوْف)
قال الحارث المحاسبي:
قلت فَبِأَي شَيْء ينْتَقل من دَرَجَة الصَّبْر إلى دَرَجَة النَّعيم؟
قَالَ بِحسن الْمعرفَة
قلت مِمَّ حسن الْمعرفَة؟
قَالَ افتقار الْقلب إلى الله واقترابه مِنْهُ وَمن دَار الْآخِرَة حَتَّى كَأَنَّهُمَا رَأْي الْعين وَيجْعَل الذُّنُوب الَّتِي سلفت مِنْهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله نصب عَيْنَيْهِ وَيجْعَل النِّعْمَة الَّتِي قد أنعم الله عَلَيْهِ بهَا وَالَّتِي لَا يحصيها وَلَا يقدر على شكرها فِي إقرار قلبه بذلك وإجلال الله وتعظيمه وَقدرته ووعيده وأهوال الْقِيَامَة وَمَا بعْدهَا وَمَا قبلهَا من البرزخ وَالْمَوْت
فَإِذا اسْتَقر ذَلِك فِي قلبه وَسكن الْقلب إلى ذَلِك كَذَلِك أنار الْقلب وَعمر بعد الخراب وأضاء بعد الظلمَة ثمَّ لانت المفاصل عِنْد ذَلِك
وتوثبت الْجَوَارِح إلى الطَّاعَات فَعِنْدَ ذَلِك تسْقط مُؤنَة الصَّبْر وَيصير فِي دَرَجَة الْخَوْف والمحبة لِلْعِبَادَةِ وَعند ذَلِك يجد حلاوة مَا هُوَ فِيهِ فَتلك الْعِبَادَة بِحسن الْمعرفَة
فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يعرض لَهُ من دواعي الدُّنْيَا ووساوس النَّفس مَا أن مَال إليه قطعه عَن تِلْكَ الْحَلَاوَة ورده إلى دَرَجَة الصَّبْر
ولساعة وَاحِدَة من تِلْكَ السَّاعَات خير من أيام كَثِيرَة من أيام الصَّبْر لأن فِيهَا الْخَوْف وفيهَا الْحبّ وفيهَا الشُّكْر وفيهَا النَّدَم وَهُوَ التَّوْبَة وتعظيم مَا عظم الله وتصغير الدُّنْيَا والأنس بِاللَّه
فَلَا يلْحق صَاحب هَذِه الدرجَة صَاحب الصَّوْم الْكثير وَالصَّلَاة الْكَثِيرَة وَالْحج والغزو وَهَكَذَا الْعَمَل إذا كَانَ بالمعرفة القوية.