(كَيفَ غفل النَّاس عَن هَذِه الدرجَة)
قلت فَأَيْنَ المريدون عَن هَذِه الدرجَة وَلم لَا يكون اهتمامهم وعنايتهم بهَا أكثر من عنايتهم بغَيْرهَا من الدَّرَجَات؟
فَقَالَ هَذِه الدرجَة فِي الدَّرَجَات كالجوهرة فِي الأشياء وكاللؤلؤة الفائقة فِي ألف لؤلؤة وَالْجِنْس وَاحِد وإنما قلَّ أهل هَذِه الدرجَة وعزوا لأن من الأشياء مَا صعوبته فِي المسلك إليه فَإِذا صرت إليه صرت إلى سهولة ورخاء وأنس، وَمن الأشياء مَا سهولته وشهوته فِي طَرِيقه وصعوبته وشدته فِي نفس ذَلِك الشَّيْء إذا صرت إليه
والعامة يعنون بالشَّيْء الَّذِي فِيهِ السهولة فَإِذا صَارُوا إلى الشدَّة والمرارة كاعوا وتحيروا وخسروا وَقد كَانُوا قبل ذَلِك يسرعون إليه لما فِيهِ من السهولة
أولا تراهم يطْلبُونَ الْعلم فَإِذا صَارُوا إلى اسْتِعْمَال الْعلم والورع لَا ترى من يَسْتَعْمِلهُ وَلَا من يُريدهُ إلا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد
أولا تراهم يتعلمون السّير وفضائل الْجِهَاد فَإِذا صَارُوا إلى شُرُوط الْجِهَاد لَا ترى من يقوم بِعَمَلِهِ
هَذِه الدرجَة شَدِيدَة فِي الطَّرِيق إليها وَلَا ترى فِي طريقها إلا الْوَاحِد بعد الْوَاحِد من الْكثير فَلذَلِك قل أهل هَذِه الدرجَة وَكثر طلاب غَيرهَا من الدَّرَجَات لأنها هِيَ الدرجَة الَّتِي استعبدت الْعباد وَهِي دَرَجَة الصدْق وَصَارَ علمهَا مَهْجُورًا وَصَارَ النَّاس إنما يُرِيدُونَ من الْعَمَل مَا خف محمله وَقلت فِيهِ مفاتشة الهمة ونقاء الضَّمِير والتوقف ومحاسبة النَّفس وَمُخَالفَة الْهوى ومجاهدة الْعَدو
وَاعْلَم أن رضَا العَبْد بالحالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مُقيم ضعف وبلية نزلت بِهِ. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...