142 - {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ... } الآية.
روى البخاري في صحيحه، عن البراء:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة، صلى إلى بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلَّى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلَّى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ مكة، فداروا كما قِبَلَ البيت".
وفي رواية ابن إسحاق، وغيره، عنه، زيادة: فأنزل الله - تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ... } الآية.
ذهب الإمام الزمخشري وغيره من المفسرين، إلى أن الله - سبحانه - أخبر بما سيقوله السفهاءُ قبل وقوعه، ليكون وقعه خفيفًا على قلوب المسلمين عند حدوثه، لأن مفاجأة المكروه
أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأَردُّ لشغبه - وفي هذا أيضًا - إعجاز قرآني، للإخبار بالغيب قبل وقوعه.
وذهب القرطبي وغيره: إلى أن الفعل: {سَيَقُولُ} ، بمعنى: قال، وأن الآية الكريمة أوردت الماضي بصيغة المستقبل، دلالة على استمرار ذلك القول وتجدده.
والسفهاءُ المتسائلون عن تحويل القبلة هم اليهود، كما ذكر ابن عباس، أو المشركون كما ذكر الحسن، أو المنافقون، كما ذكر السُّدِّيّ ..
قال الراغب: ولا تنافي بين أقوالهم، فكلٌّ قد عابوا، وكلٌّ سفهاء.
وقد تناولت الآيات السابقة: أن أهل الكتاب سفهوا على ملة إبراهيم - عليه السلام - فإنهم علموا الحق، وكتموه {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ} وجاءت هذه الآية الكريمة، لتذكر لونًا آخر من ألوان سفههم، وسَفَهِ من ماثلهم من المشركين والمنافقين.