[من روائع الأبحاث]
(وسطية الإسلام بين التيسير والتحريم)
للأستاذ/ سيد مبارك
إنَّ الحمد لله نحمدُه، ونَسْتعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شُرور أنفُسِنا، وسيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فهو المهتدي، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله:
أمَّا بعد:
فمِن سماحة الشريعة الإسلامية ووسطيَّتِها إباحةُ المُحرَّمات عند الضرورة.
والضرورة في اللغة - كما قال ابن منظور: الاضطرارُ والاحتياج إلى الشيء، وقد اضطرَّه إليه أمر، والاسم الضَّرَّة، والضرورةُ كالضَّرَّة، والضِّرارُ: المُضارَّةُ، ورجلٌ ذو ضارورة وضرورة؛ أي: ذو حاجة، وقد اضطرَّ إلى الشيء؛ أي: أُلجِئ إليه، وجاء فيه عن الليث: الضرورة اسمٌ لمصدر الاضطرار؛ تقول: حمَلَتْني الضرورة على كذا وكذا، وقد اضطرَّ إلى كذا وكذا، وأصلُه مِن الضرر، وهو الضيق؛ اهـ [1] .
والضرورةُ في الشرع - كما قال السيوطي (في الأشباه والنظائر) :"الضرورةُ: بلوغُه حدًّا إن لم يَتناوَلِ الممنوع هلَكَ، أو قارب، وهذا يبيح تناولَ الحرام"؛ اهـ [2] .
قلتُ: والقاعدة الأصولية: (الضرورات تُبِيح المحظورات) مأخوذةٌ مِن القرآن الكريم في كثير مِن الآيات؛ منها:
قوله تعالى:"وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ" [الأنعام: 119] .
وقوله تعالى:"فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [البقرة: 173] .
ومعنى الاضطرار: الحاجةُ الشديدة.
والمحظور: المنهيُّ عن فعله.
والمقصود منها أن الممنوعَ شرعًا يُباح عند الضرورة، وذلك بشروط؛ ليسوغ تسميتها ضرورةً شرعية، فشريعة الإسلام ووسطيتها تُباح فيها المحظورات، وتُحَل فيها المحرَّمات، بقدر ما تنتفي هذه الضرورات، والضرورة التي تُبيح فعلَ المحرَّم هي كل ما يَلحق العبدَ ضررٌ بتركه، وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس: الدِّين، والنَّفْس، والنَّسل، والعقل، والمال.