ويُؤيِّد ذلك ما ثبت في السُّنة النبوية في أحاديث، أذكر منها على سبيل المثال قولَه صلى الله عليه وسلم: (( لا ضرر ولا ضِرار ) ) [3] .
فالأمر إذًا ليس على هوى الناس وميولِهم الشخصية، بل حسب ضوابطَ شرعيةٍ استنبطها العلماء من القرآن والسُّنة، فقد تساهل الكثيرُ مِن الناس في ارتكاب المحرمات والمحظورات بحجَّة الضرورة، وهذا غلوٌّ مَمْقُوت، وجهل محض في فهم النصوص، ومثال على ذلك أن الكثير مِن الناس يضعون أموالهم في البنوك الرِّبَوِية، بزعم الخوف على المال من السرقة، ولا يكتفي بهذه الضرورة، بل يستحل الواحدُ منهم لنفسِه فوائدَها الرِّبوية، باعتبارها حقًّا له، وليست مالًا حرامًا ينبغي تركه والتخلص منه، وكذلك السفر إلى بلاد الكفر والفساد والرزيلة بحجة العمل أو الدراسة، ومعاشرتهم ومصاحبتهم، وما في ذلك من التودُّد لهم وموالاتهم، وليس هذا مِن الضرورات التي تبيح المحظورات كما لا يخفى، وقِسْ على ذلك الكثيرَ مما جعله الناس ضرورةً بالهوى.
وليكن معلومًا أن هذه القاعدةَ الأصولية في الشريعة الربانية مَبْنيةٌ على التيسيرِ، ونفي الحرج، والتخفيف عن الأمة، ورفع الإِصر عنها؛ لهذا كان مِن قواعد أصول الفقه: (لا مُحرَّم مع الضرورة، ولا واجب مع العجز ) ) ، وهذا من وسطيتها واعتدالها، وهي من نعم الله علينا، فلا يخلو الإنسان من لحظات ضعف وعجز ولين، ويصبح المحرم من الضرورة التي تحفَظ حياته لطبيعة خلقته، كما قال تعالى:"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا" [النساء: 28] .
يقول الشافعي - مبيِّنًا حد الضرورة:"فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير، وكل ما حرم مما لا يُغيِّر العقل من الخمر للمضطر، والمضطرُّ الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه معه، ولا شيء يسد فورةَ جوعِه من لبن وما أشبهه، ويُبلِغُه الجوعُ ما يخاف منه الموت، أو المرض وإن لم يَخَفِ الموت، أو يضعفه ويضره، أو يعتلُّ، أو يكون ماشيًا فيضعف عن بلوغِ حيث يريد، أو راكبًا فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البيِّن".