إبراهيم وبناء الكعبة
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)
بعد أن قص الله تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل وما كفروا به هذه النعم في حاضرهم وماضيهم، وكانوا يفخرون بأنهم أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإنهم لهذا أبناء الله وأحباؤه، وما أداهم ذلك الاعتقاد الواهم الباطل إلى ضلال توارثوه، وفساد فكر تناقلوه، وكفر بالله، وقتل للنبيين، أخذ سبحانه يقص قصص إبراهيم أبي إسماعيل وإسحاق وجدّ يعقوب وجدّ النبيين الذين ذكروا في التوراة والإنجيل والقرآن.
يقول سبحانه:
(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهنَّ) و"إذ"ظرف زمان يدل على الماضي متعلق بمحذوف تقديره: اذكر الوقت الذي ابتلى الله فيه إبراهيم بكلمات فأتمهن، وذكر الوقت ليس ذكرًا للزمن المجرد، إنما هو ذكر للوقائع في هذا الزمن، للعبرة بها، والاتعاظ في مثلها.
وقد ابتدأ هذه الوقائع بابتلاء إبراهيم عليه السلام بكلمات، والابتلاء معناه الاختبار من الله تعالى لَا عن جهل بما سيكون، بل لإظهار ما علمه الله تعالى عما
يكون، ولا يكون إلا في أمر يعمله العبد بمجاهدة، وصبر وجهاد نفس، وقد كان الابتداء بذكر الابتلاء لبيان أن إمامة النبوة لَا تكون إلا بمجاهدة، وجهاد نفس، وقدم المفعول على الفاعل وهو"الكلمات"التي ابتلى بها؛ لأن موضع الحديث هو إبراهيم ذاته وليست الكلمات، فكان هو موضع الاهتمام وحده، وكان المراد كشف حال نفسه القوية الطاهرة، كما قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ. . .) .
والكلمات التي اختبر الله تعالى بها إبراهيم، ليست هي ألفاظها وكلماتها وحروفها، إنما المراد بالكلمات المدلولات والمطلوبات التي تتضمنها من أوامر ونواه، ووقائع.