قوله - جلَّ جلالُه: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ...(106)
هذا كلام منتظم بما قبله من ذكر يهود، وبخاصة ذكر المنزل على الملكين - عليهما
السلام - من علم وهداية ونور وآيات، وعلى ما هي عليه دلالات نيرات، ثم جميع
الكتب والصحف المنزلة عليه بقول الله جل قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ)
بنونين وكسر السين وتشديدها.
وفي أخرى:"أو ننسأها"بألف، وفي أخرى:"أو ننسها"وفي أخرى:"أو"
ننسك"، وفي أخرى:"ما ننسك من آية أو ننسخها"وهذه كلمة بمعنى: النسيان،"
وكلها قراءة خارجة عن القراءة الصائبة، وهي ما كان بمعنى النسيء والنسء الذي
هو التأخير.
وقرأ عبيد بن عبيد وأبو عمرو ابن العلاء ومجاهد وعطاء وغيرهم:"ما ننسخ"
من آية"أي: من اللوح المحفوظ"ونؤخرها"يقول: نؤخر نسخها"نأت بخير منها""
أي: في التخفيف أو في الإجزال من الثواب"أو بمثلها"من اللوح المحفوظ فلم
ننسخها لك؛ أي: لم ننزلها عليك نأتِ بخير منها أو مثلها.
حكى ذلك عنهم القاسم بن سلام - رحمه الله - وعلى هذا التأويل، فالقرآن
كله منسوخ؛ أي: منقول من أم الكتاب"أي: من اللوح المحفوظ إملاءً؛ إذ كل كائن"
فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وتنزله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كائن، وهو أيضًا من
علم الله جل ثناؤه.
وقال جل قوله للقلم:"اكتب علمي في خلقي"وليس المطلوب هذا.
وأما قولهم في قوله عز قوله: (نَأتِ بِخيرٍ منها أَوْ مثلِهَا) أي:
مكان المنسأة المؤخرة إن كان مرادهم أنه نأتِ بمثلها أو خير منها من اللوح
المحفوظ، فليس أيضًا في هذا من الفائدة إلا إنه أنزله نجومًا، وإن كان معنى ذلك:
أنه ينزله - جلَّ جلالُه - من غير اللوح المحفوظ، وحاشا لهم من القول بذلك، هم المرفعون
عن هذه الظنة.
قال الله جل من قائل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12) . وقال
-عز وجل - في القرآن: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) .
(فصل)