قال - رحمه الله:
{مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} .
مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم بقولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره، وهم فِي عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن محمداً وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقاً لها فكيف يكون شرعه مبطلاً للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل شريعة بشريعة.
وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله: {قل فلم يقتلون أنبئاء الله من قبل} [البقرة: 91] وقوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة} [البقرة: 94] إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} إلى قوله: {ذو الفضل العظيم} [البقرة: 105] المنبئ أن العلة هي الحسد، فلما بين الرد عليهم فِي ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ.
والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلاً من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة.
ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم.
ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله: {ألم تعلم} وعطفه عليه بقوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} [البقرة: 108] ولقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} ولم يقل من شريعة.
وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع.