[من روائع الأبحاث]
"كلام نفيس فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَذِكْرُ وُجُوهِ النَّسْخِ"
قال الإمام الجصاص:
بَابُ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَذِكْرُ وُجُوهِ النَّسْخِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} قَالَ قَائِلُونَ:"النَّسْخُ هُوَ الْإِزَالَةُ"وَقَالَ آخَرُونَ:"هُوَ الْإِبْدَالُ"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} أَيْ يُزِيلُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيُبَدِّلُ مَكَانَهُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ.
وَقِيلَ: هُوَ النَّقْلُ، مِنْ قَوْلِهِ: {إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي مَوْضُوعِهِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، وَمَهْمَا كَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ فِي إطْلَاقِ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ بَيَانُ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَالتِّلَاوَةِ، وَالنَّسْخُ قَدْ يَكُونُ فِي التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ وَيَكُونُ فِي الْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ التِّلَاوَةِ دُونَ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا نَسْخَ فِي شَرِيعَةِ نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ النَّسْخِ فَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ نَسْخُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالسَّبْتِ وَالصَّلَاةِ إلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ؛ قَالَ: لِأَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَشَرِيعَتَهُ ثَابِتَةٌ بَاقِيَةٌ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ.