وثانيها: لو كان فِي معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] .
وثالثها: إنما حصل فِي تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح فِي كونها معجزة، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح فِي النبوة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 4 صـ 27}
قوله تعالى: {وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: هم اليهود.
مجاهد: النصارى؛ ورجّحه الطبري؛ لأنهم المذكورون فِي الآية أوّلاً.
وقال الربيع والسُّدّى وقتادة: مشركو العرب.
و"لولا"بمعنى"هَلاّ"تحضيض؛ كما قال الأشهب بن رُمَيْلة:
تَعُدّون عَقْر النِّيب أفضل مجدكم ... بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيّ المُقَنَّعَا
وليست هذه"لولا"التي تعطي منع الشيء لوجود غيره؛ والفرق بينهما عند علماء اللسان أن"لولا"بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مُظْهراً أو مقدّراً، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر.
ومعنى الكلام هَلاّ يكلمنا الله بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبيّ فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوّته.
والآية: الدلالة والعلامة؛ وقد تقدّم.