وعبر في جانب القتل بالفعل المضارع فقال: تَقْتُلُونَ ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة. يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما. ووجهه أن المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل الأنبياء، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل بحسب وضعه على الفعل الواقع في الحال. فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم.
ثم حكى القرآن بعض الدعاوى الباطلة التي كان يدعيها اليهود في العصر النبوي ورد عليها بما يدحضها فقال:
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أي: قال اليهود الذين كانوا في العهد النبوي: قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسية مانعة من نفوذ ما جئت به فيها. ومقصدهم من ذلك، إقناطه صلّى الله عليه وسلّم من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد.
والغلف: جمع أغلف، وهو الذي جعل له غلاف، ومنه قيل للقلب الذي لا يعي ولا يفهم، قلب أغلف، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف.
قال ابن كثير: وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف. أي: قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك.
وقد رد الله - تعالى - على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال:
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي: أن قلوبهم ليست غلفا بحيث لا تصل إليها دعوة الحق بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق، ولكن الله أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى.
والفاء في قوله: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها وما في قوله فَقَلِيلًا ما لتأكيد معنى القلة.
والمعنى أن الله لعنهم وكان هذا اللعن سببا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان به. وقد وصفهم الله - تعالى - فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.