ثم أضاف رحمه الله:"وأحب إليَّ أن يكون آكلُه إن أكل، وشاربه إن شرب، أو جمعهما، فعلى ما يقطع عنه الخوفَ ويبلُغُ به بعضَ القوة، ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع ويروى، وإن أجزأه دونه؛ لأن التحريم قد زال عنه بالضرورة، وإذا بلغ الشبع والريَّ، فليس له مجاوزتُه؛ لأن مجاوزته حينئذٍ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع، ومن بلغ إلى الشبع، فقد خرج في بلوغه من حدِّ الضرورة، وكذلك الري، ولا بأس أن يتزوَّد معه من الميتة ما اضطر إليه، فإذا وجد الغنى عنه طرَحَه"؛ اهـ [4] .
قلت: وبِناءً على ذلك يتبيَّن أن الضرورة تُقدِّر بقدرها، ومن التفريط في الدين إباحةُ المحرَّم بحجة الاضطرار، وليس كذلك، ولكن يبقى التطبيق الشرعيُّ الصحيح لهذه القاعدة الأصولية بإباحة المحرَّم عند الضرورة؛ كحفظ الدِّين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال؛ أي: الضرورات الخمس التي لا تقومُ حياةُ الإنسان إلا بها - دليلًا ساطعًا لكل ذي عين على سموِّ ورقيِّ هذه الشريعة الربانية السمحة، التي تسمو بالنفس البشرية وترفعها لمقامٍ يليق بها؛ لتميُّزِها عند ربِّها عن كافة مخلوقاته عز وجل.
من وسطية الإسلام التيسير عند المشقة والعذر:
لا أُغالِي إن قلتُ: ليس هناك شريعةٌ سماوية يسَّرت أمرَ الدين رِفقًا بالبشر، مِن شريعة الإسلام التي تتميز بوسطيتها واعتدالها في بيان الأوامر والنواهي، منعًا للحرج والمشقة، والأدلةُ مِن القرآن كثيرةٌ؛ منها:"يُرِيدُ"اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" [البقرة: 185] ، وقوله تعالى:"هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" [الحج: 78] ."
• ومن السُّنة النبوية ما ثبَت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين قولُه: (( يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا ) ) [5] .
• وما ثبَت عن أبي هريرة أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعُوه، وأَهرِيقُوا على بَوْلِه ذَنوبًا مِن ماءٍ، أو سَجْلًا مِن ماء؛ فإنما بُعِثْتُم مُيسِّرين، ولم تُبعَثوا مُعسِّرين ) ) [6] ، ومثل ذلك من الأحاديث كثير.