ومما لا شك فيه أن حياة النبيِّ وسُنَّتَه صلى الله عليه وسلم، هي تطبيقٌ عمليٌّ للقرآن، وفي بيان وسطية الإسلام، فقد كان مِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الأمر خيارٌ، أن يختار الأيسر؛ فما عُرِض على الرسول صلى الله عليه وسلم أمرانِ إلا اختار أيسرَهما، ودليلُ ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"ما خُيِّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرَهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس منه، وما انتقم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسِه، إلا أن تُنتَهَك حرمةُ الله عز وجل" [7] .
وأخيرًا: نُذكِّر كلَّ مَن يريد التشدُّد والغلو والبعد عن الوسطية، بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الدين يسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيءٍ من الدُّلْجَة ) ) [8] .
• قال ابن حجر رحمه الله ما مختصره:"والمعنى: لا يتعمَّق أحدٌ في الأعمال الدينية ويترُك الرِّفق إلا عجَز وانقطع، فيُغلَب، قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام النبوة، فقد رأينا - ورأى الناسُ قبلَنا - أن كلَّ مُتنطِّع في الدين ينقطع، وليس المرادُ منعَ طلب الأكمل في العبادة؛ فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المُفضِي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته؛ كمن بات يصلِّي الليل كلَّه ويغالب النوم إلى أن غلبَتْه عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمسُ، فخرج وقت الفريضة"؛ اهـ [9] .
ونُبيِّن هنا بعضًا من الأمثلة لبيان مقصودنا بتيسير الشريعة للأوامر والنواهي رحمة بالعباد في كثير من العبادات والمعاملات وغير ذلك؛ منعًا للمشقة، ورفعًا للحرج، ونطيل بعض الشيء في البيان؛ لأن هذا بابٌ واسع للغلو إن أُسِيء فهمُه، وما أذكره هنا على سبيل المثال لا الحصر، والله المستعان وعليه التكلان:
1 -مِن معالم التيسير ورفع الحرج في الطهارة التيمُّمُ عند فقدان الماء أو نقصه: