والتعبير بقوله {السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} للإيذان بأنهم انفردوا من بين الناس بالحمق والجهل. أما غيرهم من المؤمنين فقد كملهم الله بالعقل، فاطمأنوا لحكمة الله في تحويل القبلة.
مضمون الآية: أن الله - تعالى - سيستجيب لكم، ويوليكم قبلة ترضونها، وهي البيت الحرام، وسيقول السفهاء حينئذ: ما الذي جعل المسلمين يتجهون إلى البيت الحرام، وينصرفون عن بيت المقدس؟
وقد لَقَّن الله رسوله الإجابة على ذلك، بأن الله - تعالى - ليس محدودًا بمكان أو زمان فقال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} : ومن كان له المشرق والمغرب، فله الأرض كلها. فكل مكان منها مشرق عند قوم، مغرب عند آخرين، وإذا كانت الأرض كلها لله، فله - سبحانه - أن يختار منها ما يشاء، ليكون قبلة لكم، تتجهون إليها في العبادة.
إن قيل: ما الحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، مع أن الله يقول: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ويقول: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} فلماذا لم تبق إلى بيت المقدس عملًا بالآيتين المذكورتين. فكما ينطبقان على الكعبة، ينطبقان على بيت المقدس وسواهما؟
فالجواب من نواح ثلاث:
الأولى: أن الحكمة فيه مذكورة في الآية التالية، في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ... } الآية، وسيأتي بيانها.
والثانية: أن الكعبة كانت قبلة لإبراهيم - عليه السلام - والنبي والمؤمنون أولى الناس باتباعه. قال تعالى: ِ {إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... } الآية.
والثالثة: أن في التحويل إليها تأليفًا لقلوب قريش ومشركي العرب: الذين يقدسون الكعبة، ويسوؤهم الانصراف عنها.
{يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} : أي يرشد مَن يشاءُ إرشاده إلى طريق مستقيم يوصل إلى سعادة الدارين. وقد هدانا إليه أولًا، حينما أمرنا باستقبال بيت المقدس: قبلة النبيين، ثم هدانا إليه آخرًا، حينما أمرنا باستقبال الكعبة، قبلة أبينا إبراهيم، وفي كلٍّ خير ورشاد.