قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ممَّا في الْأَرْض حَلالًا طَيّبًا وَلا تَتَّبعُوا خُطُوات الشَّيْطان إنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ (168)
قوله: (نزلت في قوم حرموا عَلَى أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس) نكر قومًا ولم
يعينها للإشَارَة إلَى الأقوال المختلفة فمنهم من ذهب إلَى أنها نزلت في الْمُشْركينَ الَّذينَ
حرَّموا عَلَى أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقيل في عبد الله بن سلام
وأضرابه حيث حرَّموا عَلَى أنفسهم لحم الإبل لما كان حرامًا في دين الْيَهُود وغير ذلك
فلا إشكال بأن هذه الآية نازلة في الْمُشْركينَ الَّذينَ حرموا البحيرة وغيرها كما ذكره[ابن
جرير]وغيره، وأما النازلة في حق الْمُؤْمنينَ الَّذينَ حرَّموا عَلَى أنفسهم الأطعمة الشهية
والملابس الرفيعة ففي المائدة قَوْلُه تَعَالَى:(يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تُحَرّمُوا طَيّبَات مَا
أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ)الآية. قال المصنف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(مَا جَعَلَ اللَّهُ منْ
بَحيرَةٍ)الآية. رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية فلا يكون سبب نزول
هذه الآية تحريم البحيرة ونحوها، لأنه قبل نزول هذه الآية. إلا أن يتكلف ويقال إنه كون
ذلك التحريم في زمان الجاهلية لا ينافي سببية نزول هذه الآية. وقيل وهذا السؤال وارد
على المصنف غير مندفع.
قوله: (وحلالًا مَفْعُول كلوا أو صفة مصدر مَحْذُوف) مَفْعُول كلوا. قدمه لأنه لا يحتاج
إلى الحذف؛ لأن كون الحل وصفًا للمأكول أولى من كونه وصفًا للآكل؛ لأنه سبب لحل
الأكل، وإن كان في عرف الفقهاء الحل والحرمة وصفين لأفعال المكلفين.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو صفة مصدر مَحْذُوف تقديره أكلًا حلالًا فانتصابه عَلَى أنه مَفْعُول مطلق أكلوا تجوزا؛
لأن الْمَفْعُول في الْحَقيقَة مَوْصُوفه حذف الْمَوْصُوف وأقيم صفته مقامه وأعرب بإعرابه. قوله أو حال
مما في الْأَرْض. أي كلوا بعض ما في الْأَرْض حال كونه حلالًا.