فصل
قال الفخر:
الأمر الرابع: قوله تعالى: {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: فِي رفع والموفون قولان أحدها: أنه عطف على محل {من آمن} تقديره لكن البر المؤمنون والموفون، عن الفراء والأخفش الثاني: رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الموفون.
المسألة الثانية: فِي المراد بهذا العهد قولان الأول: أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده، والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40] فكان المعنى فِي هذه الأية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه، واعترض القاضي على هذا القول وقال: إن قوله تعالى: {والموفون بِعَهْدِهِمْ} صريح فِي إضافة هذا العهد إليهم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {إِذَا عاهدوا} فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى.
الجواب عنه: أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم.
القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه.