واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله، أو بينه وبين رسول الله، أو بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه فِي عقود المعاوضات من التسليم والتسلم، وكذا الشرائط التي يلتزمها فِي السلم والرهن، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد فِي بذل المال والإخلاص فِي المناصرة، فقوله تعالى: {والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون فقالوا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، ومنهم من حمله على قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 75] الآية. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 38}
{والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا} عطف على {مَنْ ءامَنَ} ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء، وقيل: رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات، وقيل: إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق، وحذف المعمول يؤذن بذلك، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة، وقيل: للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل: به انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 2 صـ 47}