فَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: فَهِيَ الدِّينُ الْمُتَّبَعُ فَلِأَنَّهُ يَصْرِفُ النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَيَعْطِفُ الْقُلُوبَ عَنْ إرَادَتِهَا، حَتَّى يَصِيرَ قَاهِرًا لِلسَّرَائِرِ، زَاجِرًا لِلضَّمَائِرِ، رَقِيبًا عَلَى النُّفُوسِ فِي خَلَوَاتِهَا، نَصُوحًا لَهَا فِي مُلِمَّاتِهَا. وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا يُوصَلُ بِغَيْرِ الدِّينِ إلَيْهَا، وَلَا يَصْلُحُ النَّاسُ إلَّا عَلَيْهَا. فَكَأَنَّ الدِّينَ أَقْوَى قَاعِدَةٍ فِي صَلَاحِ الدُّنْيَا وَاسْتِقَامَتِهَا، وَأَجْدَى الْأُمُورَ نَفْعًا فِي انْتِظَامِهَا وَسَلَامَتِهَا.
وَلِذَلِكَ لَمْ يُخْلِ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ، مُذْ فَطَرَهُمْ عُقَلَاءَ، مِنْ تَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ، وَاعْتِقَادٍ دِينِيٍّ يَنْقَادُونَ لِحُكْمِهِ فَلَا تَخْتَلِفُ بِهِمْ الْآرَاءُ، وَيَسْتَسْلِمُونَ لِأَمْرِهِ فَلَا تَتَصَرَّفُ بِهِمْ الْأَهْوَاءُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ هَلْ جَاءَا مَجِيئًا وَاحِدًا، أَمْ سَبَقَ الْعَقْلُ ثُمَّ تَبِعَهُ الشَّرْعُ؟.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: جَاءَ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ مَعًا مَجِيئًا وَاحِدًا لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: سَبَقَ الْعَقْلُ ثُمَّ تَبِعَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّ بِكَمَالِ الْعَقْلِ يُسْتَدَلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْعِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36] .
وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ إلَّا عِنْدَ كَمَالِ عَقْلِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الدِّينَ مِنْ أَقْوَى الْقَوَاعِدِ فِي صَلَاحِ الدُّنْيَا، وَهُوَ الْفَرْدُ الْأَوْحَدُ فِي صَلَاحِ الْآخِرَةِ.
وَمَا كَانَ بِهِ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَحَقِيقٌ بِالْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ بِهِ مُتَمَسِّكًا وَعَلَيْهِ مُحَافِظًا، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَدَبُ أَدَبَانِ: أَدَبُ شَرِيعَةٍ وَأَدَبُ سِيَاسَةٍ. فَأَدَبُ الشَّرِيعَةِ مَا أَدَّى الْفَرْضَ، وَأَدَبُ السِّيَاسَةِ مَا عَمَرَ الْأَرْضَ. وَكِلَاهُمَا يَرْجِعُ إلَى الْعَدْلِ الَّذِي بِهِ سَلَامَةُ السُّلْطَانِ، وَعِمَارَةُ الْبُلْدَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَرْضَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ خَرَّبَ الْأَرْضَ فَقَدْ ظَلَمَ غَيْرَهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ:
مَا صِحَّةٌ أَبَدًا بِنَافِعَةٍ ... حَتَّى يَصِحَّ الدِّينُ وَالْخُلُقُ
انتهى انتهى {أدب الدنيا والدين، للماوردي} ...