وَإِذَا فَسَدَتْ الدُّنْيَا كَانَ إسْعَادُهَا مَكْرًا، وَإِعْرَاضُهَا غَدْرًا؛ لِأَنَّهَا إذَا مَنَحَتْ كَدَّتْ وَأَتْعَبَتْ، وَإِذَا اسْتَرَدَّتْ اسْتَأْصَلَتْ وَأَجْحَفَتْ. وَمَعَ هَذَا فَصَلَاحُ الدُّنْيَا مُصْلِحٌ لِسَائِرِ أَهْلِهَا لِوُفُورِ أَمَانَاتِهِمْ، وَظُهُورِ دِيَانَاتِهِمْ. وَفَسَادُهَا مُفْسِدٌ لِسَائِرِ أَهْلِهَا لِقِلَّةِ أَمَانَاتِهِمْ، وَضَعْفِ دِيَانَاتِهِمْ. وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي مَشَاهِدِ الْحَالِ تَجْرِبَةً وَعُرْفًا، كَمَا يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ الْحَالِ تَعْلِيلًا وَكَشْفًا، فَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ مِنْ صَلَاحِهَا، كَمَا لَا شَيْءَ أَضَرُّ مِنْ فَسَادِهَا؛ لِأَنَّ مَا تَقْوَى بِهِ دِيَانَاتُ النَّاسِ وَتَتَوَفَّرُ أَمَانَاتُهُمْ فَلَا شَيْءَ أَحَقُّ بِهِ نَفْعًا، كَمَا أَنَّ مَا بِهِ تَضْعُفُ دِيَانَاتُهُمْ وَتَذْهَبُ أَمَانَاتُهُمْ فَلَا شَيْءَ أَجْدَرُ بِهِ ضَرَرًا. وَأَنْشَدْت لِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ:
النَّاسُ مِثْلُ زَمَانِهِمْ ... قَدُّ الْحِذَاءِ عَلَى مِثَالِهْ
وَرِجَالُ دَهْرِك مِثْلُ دَهْرِك ... فِي تَقَلُّبِهِ وَحَالِهْ
وَكَذَا إذَا فَسَدَ الزَّمَانُ ... جَرَى الْفَسَادُ عَلَى رِجَالِهْ
وَإِذْ قَدْ بَلَغَ بِنَا الْقَوْلُ إلَى ذَلِكَ، فَسَنَبْدَأُ بِذِكْرِ مَا يُصْلِحُ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَتْلُوهُ بِوَصْفِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالُ الْإِنْسَانِ فِيهَا.
اعْلَمْ أَنَّ مَا بِهِ تَصْلُحُ الدُّنْيَا حَتَّى تَصِيرَ أَحْوَالُهَا مُنْتَظِمَةً، وَأُمُورُهَا مُلْتَئِمَةً، سِتَّةُ أَشْيَاءَ هِيَ قَوَاعِدُهَا، وَإِنْ تَفَرَّعَتْ، وَهِيَ: دِينٌ مُتَّبَعٌ وَسُلْطَانٌ قَاهِرٌ وَعَدْلٌ شَامِلٌ وَأَمْنٌ عَامٌّ وَخِصْبٌ دَائِمٌ وَأَمَلٌ فَسِيحٌ.