الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحاباً لانسحابه فِي الهواء. ومعنى التسخير التذليل. وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه فِي جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر. وأيضاً لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد فِي الحوائج، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به فِي وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة. وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق فِي لحظة وانقشاعه فِي أخرى واشتماله على الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على كمال حكمة موجده ومقدّره. وأما قوله تعالى {الآيات} فيحتمل أن يكون راجعاً إلى الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا. وأيضاً فكل واحدة منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادراً ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها واختصاصها بوقتٍ دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . وأما قوله تعالى {لقوم يعقلون} فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به. وفي الآية من الفوائد أن التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل. وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية وإلا لم يحتج إلى النظر فِي شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية فِي الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع فِي القلوب وأشد تأثيراً فِي الخواطر.