وقال الزجاج: {إِنَّمَا} إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} معناه: ما حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و (ما) تكون نفيًا، وإذا قال القائل: إني بشرٌ، فالمعنى: أنا بشرٌ على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشرٌ، كان المعنى: ما أنا إلا بشرٌ.
والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح.
وتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أُحِلّتْ لنا ميتتان".
وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] ، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -:"وَدَمَان"وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها، فحرّم الله تعالى الدم.
وقوله تعالى: {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل، {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر:
يُهِلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كمَا يُهِل الراكبُ المُعْتَمِرْ
هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمُحْرِم: مُهِل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهَلّ فلانٌ بحَجَّةٍ أو عُمْرةٍ، أي: أحْرَم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابحُ مُهِلّ، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها.
فمعنى قوله: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام، وهو قول مجاهد والضحاك وقتادة.
وقال الربيع وابن زيد: يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله عز وجل.