التزامًا للعهد الأول عهد الله، وعهد إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فقال جل قوله:(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى
إِبْرَاهِيمَ)إلى قوله جل: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .
ثم ذكر أن الشهادة والعمل بمقتضاها هو الهدى، كقوله عز قوله: (فَإِنْ آمَنُوا
بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ... (137)
أي: في بعد عن الحق وضلال عن الهدى، وإسخاط اللَّه جل ثناؤه ورسوله والمؤمنين، هذه
شهادة الله تبارك وتعالىِ لدين الإسلام، وهوِ الكبير المتعال.
ثم قال جل قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ...(138)
نصب صبغة على الاختصاص للمدح، والصبغة هي الخلقة الأولية منه، فخلقته التي
خلق عليها هي صبغته عليها جمعت مواد قوى خلقته، وعلى سببها رُكبت أركانه
وإياها أريد بإيجاده.
ولما كانت اليهود تختن أبناءها داخل السبعة الأيام من مولد المولود منهم
وتدهنهم بالدهن تعتقد في ذلك تهويده، والصبغة من لدن أخذ الميثاق علينا
والإقرار منا له بالعبودية وله بالربوبية، ثم بثنا في خزائن السماوات والأرض(أَفَغَيْرَ
دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
هي (صِبْغَةَ اللَّهِ) - جلَّ جلالُه - إيانا في دين الإسلام (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) .
وكانت النصارى تغمس أبناءها في ماء المعمودية داخل السبعة الأيام تنصرها،
بذلك خاطبهم رب العزة - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بالمعهود عندهم، يعلمهم في
ذلك بأن ليست ملة الإسلام صبغة مخلوق، ولا صبغة محدث مربوب لا يملك دفع
ضرر ولا تحويله، إنما هي: (فِطْرَتَ اللَّهِ) - جلَّ جلالُه - جل ثناؤه وصبغته (الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ)
وجميع الموجودات (عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فمن أحسن من الله
صبغة، وأي ملة على هذا أحسن من ملة الإسلام، لذلك يسجد له من في السماوات
والأرض طوعًا وكرهًا، ويسبحه كل شيء ويقنت.