والذي يظهر لي أن لا حاجة إلى التقدير وأن جملة {وما ظلمونا} عطف على ما قبلها لأنها مثلها فِي أنها من أحوال بني إسرائيل ومثار ذكر هذه الجملة هو ما تضمنته بعض الجمل التي سبقت من أن ظلماً قد حصل منهم من قوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} [البقرة: 51] وقوله: {إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} [البقرة: 54] وما تضمنه قوله: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} [البقرة: 55] الدال على أن ذلك عذاب جروه إلى أنفسهم فأتى بهذه الجملة كالفذلكة لما تضمنته الجمل السابقة نظير قوله: {وما يخادعون إلا أنفسهم} [البقرة: 9] عقب قوله: {يخادعون الله والذين آمنوا} [البقرة: 9] ونظير قوله: {وظلموا أنفسهم} [سبأ: 19] بعد الكلام السابق وهو قوله: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} [سبأ: 18] الآية.
وغير الأسلوب فِي هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضاً بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم.
وهذا الظلم الذي قدر فِي نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] الآية فكان قوله: {وما ظلمونا} تمهيداً له وتعجيلاً بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم.
وقوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولاً بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 493 - 495}