ثالثها: أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب، وتم لهم الأمن والاطمئنان، وذلك نعمة عظمى، لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا، لأنهم لا يأمنون شره، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبني إسرائيل.
أما نعم الدين فمن وجوه:
أولها: أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة. زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى، تقترب من العلم الضروري.
ثانيها: أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم.
ثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله، فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون، ولا ذل أشد مما كان لبني إسرائيل، ثم إن الله - تعالى - في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزا، والقوى ضعيفا، والضعيف قويا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا، والإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق - عز وجل - .
هذا، ونعمة فرق البحر لبني إسرائيل، وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها في القرآن،
من ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة من أجل النعم - وهي نعمة فرق البحر بهم - لكي يشكروا خالقهم عليها، ويتبعوا نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلم ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم، فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، جزاء جحودهم وطغيانهم وما ربك بظلام للعبيد.
رابعا: نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل:
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة رابعة وهي عفوه عنهم رغم جحودهم وكفرهم وعبادتهم لغيره، فقال تعالى:
[سورة البقرة (2) : الآيات 51 إلى 52]