أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول، ثم قالوا: هذه الآية تدل على أنه ليس فِي قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين فِي هذا القول، فكان لا يكذبهم الله بقوله: {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور، قالوا: وهذا يدل على أن معنى قوله: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً} [الكهف: 57] وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا} وقوله: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} [يس: 8، 9] ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم فِي إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر.
قالوا: ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين فِي ذلك، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم.
واعلم أنا بينا فِي تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل.
سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 162 - 163}