وجواب قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُم كِتَابٌ} محذوف، تقديره: ولما جاءهم كتاب من عند الله جحدوه، وحذف لأنه معروف، دل عليه {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} ، هذا قول أبي إسحاق.
وقال الفراء: جوابه في الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} ، وفيه أيضا معنى الابتداء. و (كفروا) بما فيه من جوابهما جميعًا، والعرب تجيب كلامين بجواب واحد، كقولهم: ما هو إلا أن يأتي عبد الله فلما قعد أكرمته.
والدليل على هذا: أن الواو لا تجوز في موضع الفاء في قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} كما جاز في ابتداء الآية، فذلك دليل على أنها جواب وليست بنسق.
ومثل هذا في كون الفاء جوابًا قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} صار كأنه جواب لـ"إما"، ألا ترى أن الواو لا تصلح في موضع الفاء هنا.
وقال محمد بن يزيد قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ} تكرير للأول؛ لأن الكلام طال بقوله: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} ، وكأنه كلام معترض، فأعاد الأول. وجوابه {كَفَرُوا بِهِ} .
ومثله قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] أعاد ذكر {أَنَّكُمْ} لما طال الكلام، وكأنه قال: أيعدكم أنكم إذا مِتُّم مُخرَجون.