وكذلك الجواب في قوله: {يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ} لأنّه أراد أنّهم تولّوا خطّه بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم، وعلى وجه ما يقول القائل: كتب رسول الله إلى النجاشيّ، وكتب الخليفة إلى فلان، أي أمر بالكتاب إليه.
فأمّا قوله تعالى: {وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ} ، فإنّه أراد جنس الطيران دون السرعة في الأمر والقصد لأنّ القائل من العرب قد يقول لمن يأمره طر وأسرع في هذا الأمر، أي بادر، ويقول: طرت إلى فلان، أي أسرعت، فإذا قيل طار الشيء بجناحيه انصرف إلى جنس الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشبّه به السرعة في القصد والأمر.
فأمّا قوله: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ فإنما أورده تعالى على مذهبهم في قولهم نفسي التي بين جنبيّ، ونفسه لا تكون إلا بين جنبيه.
فأمّا قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} ، فهو لأنّ السقف قد يخرّ عليهم من تحتهم إذا كانوا في الغرف، وقد يقول القائل: خرّ عليّ في
بيتي سقف، وإن كان تحته، وقد يخرّ عليهم السقف أيضا وإن لم يكونوا تحته ولا فوقه، كما يقول القائل: خرّ علينا في الدار سقف، وإن لم يكونوا تحته ولا فوقه، وإنما يقصد الإخبار عن سقوط السقف فقط في ملكه وداره، أو قربه وجواره، فإذا قال: من فوقي أفاد أنّه كان تحته.
وأمّا قوله تعالى: {فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} ، فإنّما ذكر اليمين لأنّه بها وقع دون الشمال، وقد يقع الضرب بالشمال كما يقع باليمين ولأنّ اليمين أكثر قوة وأشدّ تمكّنا وبطشا من الشمال.
قال الشماخ:
إذا ما راية رفعت ... لمجد تلقاها عرابة باليمين
أي أخذها بقوة وبطش وتبسط في الكرم.
وأمّا قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} [البقرة: 196] ففيه وجوه:
أحدها: أن ذلك عادة العرب في كلامها وإكمالها للعدد الذي تفصله قال الشاعر:
تجمّعن من شتى ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
وقال آخر:
ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى ثمان
ولم يستهجن هذا أحد في تخاطب أهل اللسان وعادتهم، وكذلك حكم قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ} ، وقوله تعالى: {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] .