قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ
مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)يتمنون هذا ونحو هذا، ويظنونه ويعملون عليه
بأهوائهم.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(111)
فكل من قال قولاً لم يأتِ عليه بدليل من كتاب الله ولا سنة ولا حكمة مشهورة
فقوله متروك، ومن تناول العلم على وجه التعصب للأسلاف من غير الموثوق بهم
يحتج بهذا، وينصره ويخاصم عليه فهو أمي.
وكان هؤلاء من يهود سلكوا في معلومهم ومعارفهم سبيل العصبية لأسلافهم،
فما وافق منه ذلك أخذوا به وما خالفه نبذوه ليست مهمتهم في تصحيح العلم، ولا
هممهم في الترقي إلى درجات اليقين، ولو بحثوا عن حقيقة العلم حق البحث،
وأجهدوا في ذلك أنفسهم، واستفرغوا الوسع منهم لارتقوا في الأسباب، وفتحت
لهم إلى اليقين الأبواب، فأخذوا العلم صافيًا من [منبعه] إلى منتهى المراد به،
ولأوجدهم الله جل ذكره إلى ذلك سبيلاً سابلة، ومناهج يمرون علها قويمة
واضحة، لكنهم زاغوا عما أمروا به فأزاغ الله قلوبهم وغرَّهم في دينهم ما كانوا
يفترون.
(فصل)
أتبع ذلك قوله - عز وجل -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... (79)
الظاهر المعلوم بأول وهلة أن هذا
المكتوب المذكور لو كان هو التوراة والإنجيل ويقولون فيه: إنه من عند الله، لكانوا
بذلك مأجورين ممدوحين، لقولهم الحق، وتبليغهم إياه إلى من سواهم.
فلما ذمهم الله جلَّ ذكره وأوعدهم بالويل على علم كتابهم ذلك مما كتبت
أيديهم ومما يكسبون علمنا أن مكتوبهم ذلك لم يكن كتاب الله - جلَّ جلالُه - ، وإنما كان
تأويلاً يتأولونه على نحو أهوائهم وتشعب آرائهم طلب الوفاق، لأقوال أئمتهم
ونصرًا لتعصبهم في [أباطيلهم] وليرضوا في ذلك ملوكهم ويبلغوا بهم شهواتهم في
صرف الوجوه إليهم، وبعد الصيت وتكثير الأتباع وقد صرح بذلك منهم في مواضع
أخر من كتابه العزيز.