فأولاً: لأن"معدودة"ليست جمعاً بل مفردًا، ليست جمع كثرة ولا جمع قلة. وهؤلاء"العباقرة"جعلوها جمع كثرة، بسبب جهلهم باللغة العربية، لغة الإعجاز.
وثانياً: أن"معدودات"التي يقولون إنها الصواب وكان حق القرآن أن يعبر بها بدلاً من"معدودة"ظانين أن"معدودات"جمع قلة. وهي ليست جمع قلة كما توهموا، فهي على وزن"مفعولات"وهذا الوزن ليس من
أوزان جموع القلة (2) بل من أوزان جموع الكثرة ولا ينفعهم قولهم إن اليهود أرادوا القلة، لأن هذه القلة يدل عليها سياق الكلام لا المفردات المستعملة في التركيب.
وثالثاً: إن هذا التعبير لا ينظر فيه إلى جانب قلة أو كثرة، ولكن ينظر فيه من جانب آخر ليس عند هؤلاء الأدعياء شرف الاتصاف به؛ لأنهم دخلاء على لغة الإعجاز والتنزيل.
هذا الجانب هو: معاملة غير العاقل معاملة العاقل أو عدم معاملته.
ووصف الأيام ب -"معدودة"في ما حكاه الله عن اليهود هو وصف لها بما هو لائق بها، لأن الأيام لا تعقل فأجرى عليها الوصف الذي لغير العقلاء، وما جاء على الأصل فلا يسأل عنه، ولكنهم لجهلهم المركب بلغة الإعجاز حسبوا الصواب خطأ، والخطأ صواباً. لأنهم زجوا بأنفسهم فيما لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
أما معاملة غير العاقل معاملة العاقل، فلها دواعٍ بلاغية لا يعرف عنها مثيرو هذه الشبهات كثيراً ولا قليلاً.
وهي في النظم القرآني من الكثرة بمكان، ولا يعامل غير العاقل معاملة العاقل إلا بتنزيله منزلة العاقل لداع بلاغي يقتضى ذلك التنزيل.
وإذا كان القرآن قد عبَّر في وصف"أياماً"في آية البقرة هذه ب -"معدودة"وهو وصف غير العاقل جارٍ على الأصل، فإنه عبَّر عن وصفها ب -"معدودات"في موضع آخر، هو قوله تعالى:
(ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) .
فكان ينبغي أن يسأل هؤلاء عن اختلاف التعبير في الموضعين بدل أن يخطِّئوا الصواب وهم جاهلون. وها نحن نضع بين أيديهم الحق ناصع البياض.
في آية البقرة جاء وصف"أياماً"-"معدودة"بصيغة الإفراد، وليس جمع كثرة كما زعموا.
وفى آية آل عمران جاء وصف"أياماً"-"معدودات"جمعاً لا إفراداً.
فلماذا - إذاً - اختلفت صيغة الوصف، والموصوف واحد، هو"أياماً"؟
إذا قارنَّا بين الآيتين وجدنا آية البقرة مبنية على الإيجاز هكذا:
"وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ..".