وقال الزمخشري:"إنه معرّب من لسان العَجَمِ، فإن أصله مِصْرائيم، فعرب"، وعلى هذا إذا قيل بأنه علم لمكان بعينه، فلا ينبغي أن يصرف ألبتة لانضمام العُجْمة إليه، فهو نظير"ماه وَجور وحِمْص"، ولذلك أجمع الجمهور على منعه فِي قوله: {ادخلوا مِصْرَ} [يوسف: 99] .
والمِصْر فِي أصل اللغة: الحَدّ الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل"هَجَر"أنهم إذا كتبوا بيع دار قالوا:"اشترى فلانٌ الدَّارَ بِمُصُورِهَا"أي: حُدُودها؛ وأنشد: [البسيط]
وَجَاعِلُ الشَّمْسِ مِصْراً لا خَفَاءَ بِهِ ... بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْلِ قَدْ فَصَلاَ
قوله: {مَّا سَأَلْتُمْ} "ما"فِي محلّ نصب اسماً لـ"إن"، والخبر فِي"لكم"، و"ما"بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: الَّذي سألتموه.
قال أبو البَقَاء"ويضعف أن تكون نكرة موصوفة".
يعني: أنَّ الذي سألوه شيء ٌ معيَّنٌ، فلا يحسُنُ أن يُجَابُوا بشيء مُبهَمٍ.
وقرئ:"سِلْتُمْ"مثل: بِعْتُمْ، وهي مأخوذةٌ من"سَالَ"بالألف قال حَسَّان رضي الله عنه: [البسيط]
سَالَت هُذَيْلٌ رَسُولَ الله فَاحِشَةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
وهل هذه الألف منقلبة عن ياء أو واو لقولهم: يَتَساوَلاَنِ، أو عن همزة؟ ثلاثة أقوال يأتي بيانها فِي سورة"المعارج"إن شاء الله تعالى.
قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} أي: جُعِلَتِ الذِّلَّة محيطً بهم، مشتملةً عليهم؛ كمن يكون فِي القُبَّة المَضْرُوبَةِ؛ قال الفرزدقُ لجرير: [الكامل]
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ
أو ألصفت بهم حتى لزمتهم كما يضرب الطِّين على الحائط فيلزمه.
ومن قال: إنها الجزية فبعيد؛ لأن الجزية لم تكن مضروبةً حينئذ.