وقال بعضهم: هذا من باب المُعْجِزَات؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر عن ضرب الذِّلّة والمَسْكَنة عليهم، ووقع الأمر كذلك، فكان معجزة.
و"الذِّلّة": الصَّغَار.
والذُّلّ بالضم: ما كان عن قَهْرٍ، وبالكسر: ما كان بعد شماس من غير قهر.
قاله الراغب.
و"المَسْكَنَةُ": مَفْعَلَة من السُّكون، لأن المسكين قليل الحركة والنهوض، لما به من الفَقْرِ، و"المسكين: مُفْعِيْل منه، إلاّ أن هذه الميم قد ثبتت فِي اشتقاق هذه الكلمة، قالوا: تمسكن يتمسكن فهو متمسكن، وذلك كما تثبت ميم"تَمْنَدل وتَمَدْرَعَ"من"النَّدْلِ"و"الدَّرعِ"وذلك لا يدلّ على أصالتها؛ لأن الاشتقاق قضى عليها بالزِّيَادة."
وقال الراغب: قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة} : فالميم فِي ذلك زائدة فِي أصحّ القولين.
وإيراد هذا الخلاف يؤذن بأن النون زائدة، وأنه من " مسك"و"ضربت " مبني للمفعول و"الذّلة"مقام الفاعل.
قول: {وَبَآءُوا} ألف"بَاءَ بكذا"منقلبة عن واو؛ لقوله:"بَاءَ يَبُوءُ"مثل:"قَالَ يَقُولْ"قال عليه الصَّلاة والسَّلام:"أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ"، المصدر"البَوَاء"؟
وبَاءَ معناه: رَجَع؛ وأنشد بعضهم هذا: [الوافر]
فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّابَايَا ... وأُبْنَا بِالمُلُوكِ مُصَفَّدينَا
وهذا وَهَمٌ؛ لأن هذا البيت من مادة:"آبَ يَئوب"فمادته من همزة، وواو، وبَاءٍ، و"بَاءَ"مادته من باء، وواو، وهمزة، وادعاء القلب به بعيدٌ؛ لأنه لم يُعْهَد تقدُّم العين واللام معاً على الفاء فِي مقلوب، وهذا من ذلك.
والبَوَاءك الردوع بالقَوَدِ، وهُمْ فِي هذا الأمر بَوَاء، أي: سَوَاء؛ قال: [الطويل]
أَلاَ تَنْتَهي عَنَّا مُلُوكٌ وتَتَّقِي ... مَحَارِمَنَا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ
أي: لا يرجعُ الدم بالدم فِي القَوَدِ.