بِقَبْضِ الرُّوحِ الْحَيِّ الَّذِي بِهِ نِظَامُ حَيَاتِكُمْ هَذِهِ فَتَنْحَلُ أَبْدَانُكُمْ بِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهَا وَتَعُودُ إِلَى أَصْلِهَا الْمَيِّتِ ؛ وَتَنْبَثُّ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ وَتُدْغَمُ فِي عَوَالِمِهَا حَتَّى يَنْعَدِمَ هَذَا الْوُجُودُ الْخَاصُّ بِهَا (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) حَيَاةً ثَانِيَةً كَمَا أَحْيَاكُمْ بَعْدَ الْمَوْتَةِ الْأُولَى بِلَا فَرْقٍ إِلَّا مَا تَكُونُ بِهِ الْحَيَاةُ الثَّانِيَةُ أَرْقَى فِي مَرْتَبَةِ الْوُجُودِ وَأَكْمَلَ لِمَنْ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ فِي تِلْكَ ، وَأَدْنَى مِنْهَا وَأَسْفَلَ فِيمَنْ يَدُسُّونَهَا وَيُفْسِدُونَ فِطْرَتَهَا (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)
(91: 9 - 10) (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا عَمِلْتُمْ ، وَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى مَا قَدَّمْتُمْ ، وَيُجَازِيكُمْ بِهِ . وَأَقُولُ: إِنَّ تَرَاخِيَ الْإِرْجَاعِ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - عَنْ حَيَاةِ الْبَعْثِ عِبَارَةٌ عَنْ تَأْخِيرِ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ طُولَ زَمَنِ الْوُقُوفِ وَالِانْتِظَارِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ مَعَهُ وَهَذَا فَضْلُهُ عَلَيْكُمْ ، وَهَذَا مَبْدَؤُكُمْ وَذَلِكَ مُنْتَهَاكُمْ ، فَكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِهِ وَتُنْكِرُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ لَكُمْ مَثَلًا تَهْتَدُونَ بِهِ ، وَيَبْعَثُ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ قِيَامِ مَصَالِحِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الْأُولَى ، وَسَعَادَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الْأُخْرَى ؟ .