لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْإِيمَانِ بِالْوَحْيِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُهَا وَمُثْبِتُهَا؟ لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ عَلَى مَجْمُوعِ النَّاسِ بِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ، وَلَا عِبْرَةَ بِالشُّذَّاذِ الْمُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْحَيَاةِ الْأَوْلَى بَعْدَ الْمَوْتَةِ الْأُولَى كَافٍ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللهِ وَإِنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا لِهِدَايَةِ النَّاسِ زَعْمًا أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَدَ هَذَا الْإِنْسَانَ الْكَرِيمَ، وَجَعَلَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَرَكَّبَ صُورَتَهُ مِنْ تِلْكَ الذَّرَّاتِ الصَّغِيرَةِ وَالنُّطْفَةِ الْمَهِينَةِ الْحَقِيرَةِ، وَالْعَلَقَةِ الدَّمَوِيَّةِ أَوِ الدُّودِيَّةِ، وَالْمُضْغَةِ اللَّحْمِيَّةِ (لَا يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوَضَةً فَمَا فَوْقَهَا) وَالْكَلَامُ مَسُوقٌ لِإِبْطَالِ شُبَهِ مُنْكِرِي الْمَثَلِ وَالْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ،
لَا لِإِبْطَالِ شُبَهِ مُنْكِرِي الْبَعْثِ بِلَوَامِعِ شُهُبِهِ، ثُمَّ إِنَّ تَمْثِيلَ إِحْدَى الْحَيَاتَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْأُخْرَى دَاحِضٌ لِحُجَّةِ مَنْ يَزْعُمُ عَدَمَ إِمْكَانِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ فِي أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ جَازَ فِي الْآخَرِ، وَالْكَلَامُ فِي إِثْبَاتِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ لِلنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ تَابِعٌ لَهُ. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 1 صـ 205 - 206}