وفي جوابهم بقولهم: {إنما نحن مصلحون} ما يفيد أن الذين قالوا لهم {لا تفسدوا فِي الأرض} كانوا جازمين بأنهم مفسدون لأن ذلك مقتضى حرف إنما كما سيأتي ويدل لذلك عندي بناء فعل قيل للمجهول بحسب ما يأتي فِي قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 8] ولا يصح أن يكون القائل لهم الله والرسول إذ لو نزل الوحي وبلغ إلى معينين منهم لعلم كفرهم ولو نزل مجملاً كما تنزل مواعظ القرآن لم يستقم جوابهم بقولهم: {إنما نحن مصلحون} .
وقد عَنَّ لي فِي بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب:
أولها: إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التي أشرنا إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد.
الثانية: إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها ، وإفسادُهم أبناءهم وعيالهم فِي اقتدائهم بهم فِي مساويهم كما قال نوح عليه السلام: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 27] .
الثالث: إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع ، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفِتَن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات فِي طريق المصلحين.
والإفساد فعل ما به الفساد ، والهمزة فيه للجَعْل أي جعل الأشياء فاسدة فِي الأرض.
والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به أو بغيره ، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملاً على مضرة ، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال فسد الشيء بعدَ أن كان صالحاً ويقال فَاسِد إذا وُجد فاسداً من أول وَهلة ، وكذلك يقال أفسد إذا عمَد إلى شيء صالح فأزالَ صلاحه ، ويقال أفسَد إذا أَوْجد فساداً من أول الأمر.
والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك من المعنيين وليس من الوضع المشترك ، فليس إطلاقه عليهما كما هنا من قبيل استعمال المشترك فِي معنييه.