فالإفساد فِي الأرض منه تصيير الأشياء الصالحة مضرة كالغش فِي الأطعمة ، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحَرق والقتل للبرآء ، ومنه إفساد الأنظمة كالفِتن والجور ، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين الكفر ومناوأة الصالحين المصلحين ، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع ، فلذلك حُذف متعلق {تفسدوا} تأكيداً للعموم المستفاد من وقوع فِي حَيز النفي.
وذُكِر المحل الذي أفسدوا ما يَحْتوي عليه وهو الأرضُ لتفظيع فسادهم بأنه مبثوث فِي هذه الأرض لأن وقوعه فِي رقعة منها تشويه لمجموعها.
والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوي عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها ، ونظيره قوله تعالى: {وإذا تولى سعي فِي الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} [البقرة: 200] .
وقوله تعالى: {قالوا إنما نحن مصلحون} جواب بالنقض فإن الإصلاح ضد الإفساد ، أي جعل الشيء صالحاً ، والصلاح ضد الفساد يقال صلح بعد أن كان فاسداً ويقال صلح بمعنى وجد من أول وهلة صالحاً فهو موضوع للقدر المشترك كما قلنا.
وجاءوا بإنما المفيدة للقصر باتفاق أئمة العربية والتفسير ولا اعتداد بمخالفه شذوذاً فِي ذلك.