منهم من هو ملتذ بعذابه من بعض الجهات ومنهم غير ذلك ، نعم فيهم من عذابه محض لا لذ لهم فيه ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي استعدت لذلك ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض كما يشير إليه قوله تعالى: {لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} [غافر: 10] ومن غفل منهم عن ذلك نبهه إبليس عليه اللعنة كما حكى الله عنه بقوله: {فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} [إبراهيم: 22] ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفريقان وانتهى الأمد المضروب لها بمقتضى الحكمة الإلهية.
وقد رأينا فِي الشاهد أن لنفع الدواء وقتاً مخصوصاً إذا تعداه ربما يؤثر ضرراً ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان وأن التوبة إنما كانت فِي الدار الدنيا ولهذا {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت} [المؤمنون: 99 ، 100] ولما كان هذا الطلب عارف من وجه جاهل من وجه آخر قال الله تعالى فِي مقابلته: {كلا إنها كلمة هو قائلها} [المؤمنون: 100] ولم يغلظ عليه كما أغلظ على ما قال: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 108] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب وليس كل دعاء يستجاب كما لا يخفى على أولي الألباب.