ففيه أن من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضده وأظهر سبحانه مقتضى ذاته وماهيته المعلومة له حسب علمه فهناك حينئذ كفر قبيح زائل وإيمان حسن ثابت ، وقد انضم إلى هذا الإيمان ندم على ذلك الكفر فِي دار ينفع فيها تدارك ما فات والندم على الهفوات فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن شيئاً مذكوراً إذ يقابل القبيح بالحسن ويبقى الندم وهو ركن التوبة مكسباً على أن ظهور الإيمان بعد الكفر دليل على نجابة الذات فِي نفسها وطهارتها فِي معلوميتها ولأعمال بالخواتيم فلا بدع فِي مغفر الله تعالى له جوداً وكرماً ورحمة الله تعالى - وإن وسعت كل شيء ببعض اعتباراتها - إلا أنها خصت المتقين باعتبار آخر كما يشير إليه قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} [الأعراف: 156] فهي كمعيته سبحانه الغير المكيفة ، ألا تسمع قوله تعالى مرة: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة: 7] ، وتارة {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128] وكرة {إن الله معنا} [التوبة: 40] وطوراً {إن معي ربي} [الشعراء: 62] ولاينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] أن الكفار المعذبين أكثر من المؤمنين المنعمين كما يقتضيه قوله تعالى: {ولكن أكر الناس لا يؤمنون} [الرعد: 1] وكذا حديث البعث لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى الملائكة والحور والغلمان {وما يعلم جمود ربك إلا هو} [المدثر: 31] {ويخلق ما لا تعلمون} [النحل: 8] فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب على أن أهل النار مرحومون فِي عذابهم وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى وبعض الشر أهون من بعض وهم متخلفون فِي العذاب ، وبين عذاب طل طبقة وطبقة ما بين السماء والأرض وإن ظن كل من أهلها أنه أشد النا سعذاباً لكن الكلام فِي الواقع بل