وأما الثاني فإما أن يحصل فيه ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة ، نحو قول حباب
بن المنذر:"أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب"يضرب في
المجرب الذي يستشفى برأيه وعقله ، أو أن يكون فيه حذف ، أو إضمار ، كما في
قوله:"رب رمية من غير رام"أي رب رمية مصيبة من رام مخطئ ، أو مراعاة
للمشاكلة ، نحو:"كما تدين تدان"أي كما تجازي تجازى ، أي كما تعمل تجازى ،
فسمى الابتداء جزاء ، إلى غير ذلك.
وروى الميداني عن إبراهيم النظام قال: يجتمع فِي المثل أربع لا تجتمع
في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى ، وحسن التشبيه ، وجودة الكناية.
وزاد ابن المقفع: والوسعة فِي شعوب الحديث.
قوله: (ولذلك حوفظ عليه من التغيير)
قال الشيخ سعد الدين: ظاهره أن المحافظة على الأمثال وعدم تغييرها من
جهة اشتمالها على غرابة.
والأظهر أن ذلك من جهة أن المثل استعارة ، فيجب أن يكون هو اللفظ الدال
على المشبه به.
وقال الشريف: الأظهر - كما فِي"المفتاح"- أن المحافظة على المثل إنما هي
بسبب كونه استعارة ، فيجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به ، فإن وقع تغيير
لم يكن مثلا ، بل مأخوذا منه ، و،إشارة إليه ، كما فِي قوله:"الصيف ضيعتَ اللبن"
على صيغة التذكير.
قوله: (ثم استعير لكل حال ، أو قصة ، أو صفة لها شأن وغرابة)
حاصله أن للمثل مفهوما لغويا ، وهو النظير ، وعرفيا ، وهو القول السائر ، ثم معنى
مجازيا ، وهو الحال الغريبة ، استعير المثل لها لعلاقة الغرابة ، فإن القول لا يكون
سائرا إلا إذا كان فيه غرابة.
قوله: (والذي بمعنى الذين) إلى آخره
جواب سؤال مقدر تقديره: كيف مثلت الجماعة بالواحد ،
وحاصل ما أجاب به أوجه: استعمال الذي فِي موضع الذين على طريقة
الحذف والتخفيف ، أو إرادة الجنس ، فلا يختص بالواحد ، ليلزم المحذور ، أو
جعل موصوفه لفظا مفردا دالا على معنى الجماعة ، كالفوج.