(( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) ) (1) .... هناك نوعان من الاختلاف بين الآيتين - وإن كان موضوعهما واحدا - فالآية الأولى خطاب من الله تبارك وتعالى إلى بني إسرائيل يذكرهم بنعمه عليهم، ويمن عليهم بأنه نجاهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، والثانية خطاب من موسى عليه السلام إلى قومه يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكرهم بالذات بتلك النعمة الكبرى، وهي تنجيتهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، بالإضافة إلى التغيير فِي صيغة الفعل: نجيناكم وأنجاكم، أحدهما متعد بالتضعييف والآخر متعد بالهمزة، وأحدهما بضمير المتكلم والثاني بضمير الغائب .... ولكن انظر إلى الجزء الخاص بالعذاب الذي كان يوقعه آل فرعون ببني إسرائيل. إن فيه اختلافا بين الآيتين يحدث تغييرا فِي الصورة: ... (( يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ).... (( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ).... إن الفارق بين العبارتين حرف واحد، هو الواو التي جاءت فِي الآية الثانية قبل كلمة (( يذبحون ) )، ولكن انظر كم أحدث الحرف الواحد من الاختلاف بين الصورتين! ... فِي الصورة الأولى ينحصر العذاب فِي قتل الأولاد واستحياء النساء، وفى الثانية يصبح هذا الأمر واحدا فقط من ألوان العذاب التي تصب على بني إسرائيل، وإن كان السياق يوحى بأنه من أبرزها، وأشدها وأخبثها. إذ أجمل (( سوء العذاب ) )وفصل قتل الأولاد واستحياء النساء )) .... ذلك مجرد نموذج ينفى خاطر (( التكرار ) )الذي يتوهمه قارئ القرآن لأول وهلة، ويبرز بدلا منه ظاهرة (( التشابه ) )التي تؤدى إلى التنويع، والتي تشبه ثمار الجنة الموصوفة فِي القرآن الكريم.
(1) سورة إبراهيم (6) .