وإذا كان القدامى - لأسباب مفهومة - قد وجهوا أكبر اهتمامهم للإعجاز البيانى، الذي تحدى القرآن به الجاهلية العربية وآلهتها المزيفة، فقد آن لنا أن نتدبر جوانب الإعجاز الأخرى فِي هذا الكتاب المعجز، التي لا تقل إعجازا عن الإعجاز البيانى، والتي نحن فِي حاجة إلى تدبرها، وبيانها، وإبرازها، لتحدى الجاهلية المعاصرة، التي تتخذ صورة (( العلمانية ) )، وترفع شعارات (( العلم ) )و (( العقلانية ) )و (( التنوير ) )؛ لتفتن الناس عن ربهم ودينهم، وتؤله (( الإنسان ) )بدلا من الله، وتسعى - بحماقة - إلى تدمير الإنسان، بإبعاده عن مصدر النور الحقيقي:
(( الله نور السماوات والأرض ) ) (1) .
(( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون* هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) ) (2) .
ولن يفى كتاب واحد - مهما تضخمت صفحاته - بالحديث عن كل مجالات الإعجاز فِي القرآن، فهي فِي حاجة إلى أن يتفرغ لها كتاب وباحثون، بحيث تتكون من مجموع بحوثهم مكتبة كاملة من إعجاز القرآن، سواء الإعجاز البيانى الذي لا تنفد عجائبه، أو الإعجاز الدعوى، بوصفه كتاب دعوة قد أبرز عقيدة التوحيد الصافية كما لم يبرزها كتاب قط، ودخل بها إلى قلوب البشر من جميع منافذها وأقطارها كما لم يفعل كتاب قط، أو الإعجاز التشريعى الذي تضمن شريعة متكاملة وافية بحياة البشر ومتطلبات وجودهم لا فِي زمان نزولها فحسب، بل مهما امتد بهم الزمن وتعددت مجالات الوجود، أو الإعجاز التربوى الذي أخرج خير أمة أخرجت للناس، أو الإعجاز العلمي الذي تتكشف آياته كلما زاد البشر علماً بما حولهم من الكون ..
(1) سورة النور:35 .
(2) سورة الصف (8،9)