حقهم ما ذكر الْمُصَنّف إلا بتأويل بارد ووجه شارد ولا داعي له، وكذا [الصابئون] لا يمكن
في حقهم ما ذكر إلا عَلَى الْقَوْل بأنهم [على] دين نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو غير مرضي عند
الْمُصَنّف وإن ذكره هنا؛ إذ في سورة المائدة جزم بأنهم صبوا إلَى اتباع الشهوات ولم يتبعوا
شرعًا ولا عقلًا، وأما ثانيًا فلأن قوله (ضُربَتْ عَلَيْهمُ الذّلَّةُ) استطراد بعد ذكر النعم التي يجب
شكرها وهو مما ينبههم عَلَى الشكر لوخامة عاقبة الكفران، كَمَا صَرَّحَ به المحشون فلا يضره
فوات مناسبته للوعيد، وأما ثالثًا فلأن عدم مناسبته سبب النزول لا يضره لأنه خبر واحد
وكثيرًا ما يختار الشيخان معنى لا يلائم سبب النزول لعدم إفادته القطع، وَأَيْضًا في هذه الرواية
نوع اشتباه لأن جزمه عَلَيْهِ السَّلَامُ بأنهم في النَّار لا يكون إلا بالوحي ولا يكون بالاجتهاد
ثم نبه عَلَى خلافه وجريان الاجتهاد في مثل هذا غير معلوم عَلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ أخبر بأن
ورقة بن نوفل في الجنة مع أنه من الرهبان. وبالْجُمْلَة آخر الخبر الْمَذْكُور لا يلائم أوله بل
أوله لا يوافق القاعدة ظاهرًا؛ ولهذا لم يعتمد عليه الزَّمَخْشَريّ. والله تَعَالَى أعلم.
قوله: (الذي وعد لهم) إشَارَة إلَى وجه إضافة الأجر إليهم وأنه عطاء وتفضل من الله
تَعَالَى، وإطلاق الأجر بمقتضى الوعد والتَّقْييد بـ (عند ربهم) للتنبيه عَلَى فخامة ذلك الأجر
والتعرض للربوبية لمزيد اللطف وكمال العناية لهم و (عند ربهم) اسْتعَارَة تمثيلية ويحتمل
الكناية (عَلَى إيمانهم وعملهم) والإيمان وإن كان [كافيًا] في أصل الأجر ودخول الجنة لكن
كمال الأجر والوصول إلَى الدرجات العاليات بمجموع الإيمان والعمل الصالح والتروك
داخلة في العمل، وقد مَرَّ الْكَلَام فيه مفصلًا في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَبَشّر الَّذينَ آمَنُوا
وَعَملُوا الصَّالحَات)الآية. (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهمْ) لعموم السلب لا لسلب العموم
لكن الْمُرَاد بالخوف المنفي خوف العقاب كما أشار إليه الْمُصَنّف، وأما خوف الإجلال
فثابت لهم (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) واخْتيرَت الْجُمْلَة الاسمية وخبرها جملة اسْتقْبَالية لتفيد
الاسْتمْرَار التجددي ولرعاية الفواصل.
قوله: (حين يخاف الْكُفَّار من العقاب) وهذا الحين عام مستمر فلا إشكال بأن هذا
التَّقْييد ينافي العموم المُسْتَفَاد من الْجُمْلَة الاسمية، وتَخْصيص الخوف بالْكُفَّار لما عرفت من
أن الْمُرَاد خوف العقاب الدائم الغير المتناهي والمنفي هذا الخوف فلا يوجد في الْمُؤْمن
المقصر، فعلمهم بالعذاب المؤبد يوجب استيلاء الخوف عليهم في الأزمنة الغير المتناهية