والعاقل يبذل لصديقه نفسه وماله ولمعرفته رفده ومحضره ولعدوه عدله وبره وللعامة بشره وتحيته ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنما إلا أن يغلبه الاضطرار عَلَيْهِ ولا يدعي مَا يحسن من العلم لأن فضائل الرجال ليست مَا ادعوها ولكن مَا نسبها الناس إليهم ولا يبالي مَا فاته من حطام الدنيا مع مَا رزق من الحظ في العقل.
أنشدني عَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المقاتلي
فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى ... يكون كذي رجل وليست له نعل
ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى ... يكون كذي نعل وليست له رجل
قال أَبُو حاتم كفى بالعاقل فضلا وإن عدم المال بأن تصرف مساوئ أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه حلما والمكر عقلا والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعي صمتا والعقوبة تأديبا والجرأة عزما والجبن تأنيا والإسراف جودا والإمساك تقديرا فلا تكاد ترى عاقلا إلا موقرا للرؤساء ناصحا للأقران مواتيا للإخوان متحرزا من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب ولا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقه ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى ما لا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدخل في دعوى ولا يشارك في مراء
ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يمدح أحدا إلا بما فيه لأن من مدح رجلا بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية.
والعاقل يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا وكلام العاقل يعتدل كاعتدال جسد الصحيح وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط جسد المريض
وكلام العاقل وإن كان نزرا حظوة عظيمة كما أن مقارفة المأثم وإن كان نزرا مصيبة جليلة
ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه
وآفة العقل العجب بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء وعشير السوء وجليس السوء فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام.
ولا يجب للعاقل أن يحب أن يسمى به لأن من عرف بالدهاء حذر ومن عقل العاقل دفن عقله مَا استطاع لأن البذر وإن خفي في الأرض أياما فإنه لا بد ظاهر في أوانه وكذلك العاقل لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده.
وأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل
أنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي:
إن المكارم أبواب مصنفة ... فالعقل أولها والصمت ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والصدق ساديها