وعقول كل قوم على قدر زمانهم فالعاقل يختار من العمر أحسنه وإن قل فإنه خير من الحياة النكدة وإن طالت والعقل الموعى غير المنتفع به كالأرض الطيبة الخراب.
والعاقل لا يبتدئ الكلام إلا أن يسأل ولا يكثر التماري إلا عند القبول ولا يسرع الجواب إلا عند التثبت.
والعاقل لا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته ومن استحقر العام أذهب صيانته.
والعاقل لا يخفى عَلَيْهِ عيب نفسه لأن من خفي عَلَيْهِ عيب نفسه خفيت عَلَيْهِ محاسن غيره وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عَلَيْهِ عيبه لأنه ليس بمقلع عَن عيبه من لم يعرفه وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها وما أنفع التجارب للمبتدى.
أنشدني المنتصر بْن بلال بْن المنتصر الأنصاري
ألم تر أن العقل زين لأهله ... وأن كمال العقل طول التجارب
وقد وعظ الماضي من الدهر ذا النهي ... ويزداد في أيامه بالتجارب
أخبرنا الحسن بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا عثمان بْن أبى شيبة حَدَّثَنَا جرير عن الحكم ابن عَبْد اللَّه قَالَ كانت العرب تقول العقل التجارب والحزم سوء الظن
قال أَبُو حاتم لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب
والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الاعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رَضِيَ الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوة ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شيء صار إلى النقص.
ولا ينفع العقل إلا بالاستعمال كما لا تنفع الأعوان إلا عند الفرصة ولا ينفع الرأي إلا بالانتخال كما لا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان.
ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير عَلَيْهِ أخاف أن يكون حتفه في أقرب الأشياء إليه.
ورأس العقل المعرفة بما يمكن كونه قبل أن يكون
والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في يبيس العوسج الاستغراق في الضحك، وكثرة التمني، وسوء التثبت، لأن العاقل لا يتكلف مالا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد إلا بما يقدر عَلَيْهِ ولا ينفق إلا بقدر مَا يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر مَا عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عَلَيْهِ نفعه منه.