{فإن لكم} أي فيه {ما سألتم} وينقطع عنكم المن والسلوى ، والسؤال قال الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به الكفاية ، قال: وذكر تعالى أن مطلبهم إنما يجدونه فِي الأمصار التي أقر فيها حكمته لا فِي المفاوز التي تظهر فيها كلمته ، ولذلك كثيراً ما تنخرق العدة لأولياء هذه الأمة فِي المفاوز وقل ما تنخرق فِي الأمصار والقرى ، لما فِي هذه الآية مضمونة ، ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر ، لما يجدون فِي ذلك من روح رزق الله عن كلمته دون كلفة حكمته.
ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام ما كان من نبأهم مع يوشع عليه السلام بعده نظم فِي هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم بعد يوشع عليه السلام إلى آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء والقتل لأنبيائهم عليهم السلام ، وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة إيثاراً للعاجلة على الآجلة ، وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة فِي اتباعهم لسنن أهل الكتاب فِي مثل أحوالهم ؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفاً إن شاء الله تعالى - انتهى.
ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف عليه قوله {وضربت عليهم الذلة} ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما يحيط البيت المضروب على الإنسان به ، وهي اسم من الذل وهو صغار فِي النفس عن قهر وغلبة.
قال الحرالي: وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة غايتها فِي الظهور ما عطف عليها كأن الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم فظهر منهم وجوه من الفساد ، فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم من شاء الله ومن بقي منهم أخذوا بأنواع من الهوان - انتهى.
{والمسكنة} أي كذلك مناسبة لخساسة ما سألوه.