إلى الشمس كل يوم خمس صلوات والمجوس يعبدون النَّار والَّذينَ أشركوا يعبدون الأوثان
(وقيل عبدة الكواكب) وقد مَرَّ أن عبادتهم لأجل التعظيم كتعظيم المسلم الكعبة فليسوا
بمشركين عند الإمام الأعظم، وأما عندهما وعند الشَّافعيّ فهم مشركون. قال الكلبي هم قوم
بين الْيَهُود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويحبون مذاكيرهم. وبالْجُمْلَة قد اختلفوا
فيهم اخْتلَافًا كثيرًا خارجًا عن الضبط. وقال عبد العزيز بن يَحْيَى درجوا وانقرضوا. والله
تَعَالَى أعلم بصحته.
قوله: (وهو إن كان عربيًا) إشَارَة إلَى الاخْتلَاف فمنهم من قال إنه عربي ومنهم من
قاله إنه معَرَّب فعلى تقدير كونه عربيًا (فمأخوذ من صبأ إذا خرج) مهموز اللام يقال صبأ
ناب البعير إذا خرج، سموا به لخروجهم عن الدين الحق عَلَى ما في بعض التفاسير أو
لخروجهم من الظَّاهر إلَى خلافه حيث جعلوا النجوم قبلة الصلاة والدعاء، وادعوا أن الله
تَعَالَى خلق هذا العالم وأمر بتعظيم الكواكب فإن هذا خروج عن الظَّاهر إلَى خلافه وإن
كانوا موحدين كما ذهب إليه إمامنا أبو حنيفة.
قوله: (وقرأ نافع وحده [بالياء] ) أي فقط بلا همزة فإنه يحتمل وَجْهَيْن: أحدهما أن يكون
مأخوذًا من المهموز فأبدل من الهمزة حرف علة إما واو أو ياء فصار من المنقوص مثل قاضٍ
[أو رامٍ] فواحده صاب بوزن فاع ثم جمع كما يجمع القاضي فصار صابين، وإليه أشار بقوله(إما
لأنه خففت الهمزة وأبدلت ياء أو لأنه من صبا إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلَى دينهم
أو من الحق إلَى الباطل)والثاني أنه من صبا معتل اللام يقال صبا يصبو إذا مال، سموا بذلك
لأنهم مالوا [عن] سائر الأديان إلَى دينهم، وإن لم يكن باطلًا بقرينة المقابلة لقوله أو من الحق
إلى الباطل، ولما اختلفوا في تفسيرهم أَشَارَ إلَى كونهم موحدين أولًا وإلى كونهم مشركين ثانيا
لكن قوله في سورة المائدة لأنهم صبوا إلَى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعًا ولا عقلًا يقتضي
أنهم مالوا [عن] الحق إلَى الباطل فقط، وهذا هُوَ الْمُخْتَار عنده لكن أَشَارَ إلَى مذهب أبي حنيفة
هنا، وتقديم الصابئين هنا والتأخير في سورة المائدة سيجيء إن شاء الله تَعَالَى وجهه في سورة
المائدة، وكون الصابئين منصوبة هنا لكونها مَعْطُوفة عَلَى اسم إنَّ، وأما كونها مرفوعة في المائدة
فوجهه نبه عليه الْمُصَنّف مفصلًا في تلك السُّورَة.
قوله: (من كان منهم في دينه) نبه بذكر لفظ كان عَلَى أن الْمُرَاد بمن آمن الإيمان
القديم لا الإيمان الحادث. وحاصله من ثبت عَلَى إيمانه. قوله في دينه خبر كان. قوله(قبل أن
ينسخ)منفهم من قوله وعمل صالحًا؛ إذ النسخ مختص بالعمل لا يمكن في المعتقدات
ومعلوم أنه لا صلاح في العمل بعد النسخ، فالْمُرَاد من ثبت عَلَى دينه قبل أن ينسخ
والْمُصَنّف لما نقل هنا كون الصابئين عَلَى دين صحيح من الأديان كدين نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ
أمكن له هذا التَّفْسير فإنه يمكن أن يقال: إن الصابئين من كان منهم عَلَى دينه قبل أن ينسخ