ذكرناه وفيه تلويح إلَى رد من قال إن الياء ليست للمُبَالَغَة بل للفرق بين الواحد والجمع
كالعرب فإنه اسم لهذا الجيل الْمَخْصُوص والواحد عربي، وكذا المجوس والمجوسي
والْيَهُود والْيَهُودي. وجه الرد أنه لا يقال نصران بلا ياء لطائفة النصارى كما يقال العرب
والمجوس والْيَهُود بل يقال نصران للواحد منهم فالنصران والنصراني بمعنى واحد والياء
للمُبَالَغَة لا للفرق بين الواحد والجمع، فكون النصارى جمع نصران عَلَى الْقيَاس كندمان
جمع ندامى. فقول بعضهم النصارى جمع نصرى كمهرى ومهارى وألفه للتأنيث ولذا لم
ينون يخالف ما سلف من أنه حذفت إحدى [ياءيه] .
قوله: (سموا أي طائفة النصارى بذلك لأنهم نصروا المسيح) أي نصران بمعنى ناصر
سموا (بذلك لأنهم نصروا المسيح) عيسى ابن مريم حين قال(مَنْ أَنْصَاري إلَى اللَّه قَالَ
الْحَوَاريُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّه). (أو لأنهم كانوا معه في قرية) بالشام وكان
المسيح منها ذكره الرَّاغب (يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها) أي باسم القرية عَلَى
كون اسمها نصران ثم جمعته العرب عَلَى نصارى كسكران عَلَى سكارى (أو من اسمها) أي
أو سموا باسم مأخوذ من اسمها عَلَى كون اسم القرية ناصرة فجعلوا منسوبين إليها فقيل
لهم نصران بمعنى منسوب إلَى ناصرة ثم جمع كمهرى ومهارى، وقد عرفت أن وجود وجه
التَّسْميَة في بعض الأفراد كانت في تسمية جميع الأفراد بذلك الاسم، فهذه التَّسْميَة وقعت في
زمن نبيهم كما أن تسمية الْيَهُود وقعت في زمن نبيهم عَلَى الصحيح.
قوله: (قوم بين النصارى والمجوس. وقيل أصل دينهم دين نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ) قال
قتادة ومقاتل هم قوم يقرون باللَّه تَعَالَى ويعبدون الْمَلَائكَة ويصلون إلَى الكعبة فأخذوا من
كل دين شيئاً، وفي المعالم يقروون الزبور بدل يقرون باللَّه، وما ذكره المصنف أولًا منقول عن
ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - ، ومعنى كونهم بين النصارى والمجوس أنهم أخذوا من
دين النصارى والمجوس شَيْئًا فتدينوا به، فإذا كان بَيْنَهُمَا فحكمهم حكم المجوس فلا يحل
ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وهو قول أبي يُوسُف ومُحَمَّد رحمهما الله تَعَالَى، وأما إمامنا
الأعظم فعنده تجوز مناكحتهم وتحل ذبائحهم؛ إذ عنده أنهم ليسوا بمشركين، وإنما يعظمون
النجوم تعظيم المسلم الكعبة فهم من أهل الْكتَاب عنده، وقال إسحاق لا بأس بذبح
الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب، وقال أبو حنيفة لا بأس بذبائحهم ومناكحة نسائهم
وقال الخليل هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ويزعمون
أنهم عَلَى دين نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ. نقله الْقُرْطُبيّ كذا في اللباب، فاتضح معنى قول الْمُصَنّف
وقيل أصل ديهم دين نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (وقيل هم عبدة الْمَلَائكَة) وهو قول قتادة أي قوم يعبدون الْمَلَائكَة ويصلون